مدينة
غساسة التي كانت، ثم اندثرت في ظروف شبه غامضة، لم تنل من الكتابات
التاريخية نصيبا يزيح اللثام عن ماضيها، وعن أدوارها في تاريخ المنطقة
المحيطة بمدينة الناضور، خاصة إذا علمنا أنها في فترة معينة من أزمنة
بلادنا كانت موازية لمليلية وتازة والمزمة، وذلك من حيث حجم الضرائب التي
كانت تؤديها والمتمثلة في ما أفاد به العمري في كتابه المسالك ثلاثين ألف
دينار، وهو نفس القدر الذي كانت تؤديه المدن الثلاث المذكورة آنفا. وفي
ذلك طبعا تقدير لمكانتها الاقتصادية إبان تلك الفترة. كما فيه ما يفسر
الأطماع الاستعمارية التي ظلت مسلطة عليها، إلى أن تمكن الإسبان من
احتلالها سنة 1506، هذا الاحتلال الذي سينتهي بفضل مقاومة المنطقة
المتمركزة بتازوضا سنة 1533• وتازوضا هاته قلعة بقمة جبل كوروكو في إقليم
الناظور في الريف على ارتفاع 600م، ومن المحتمل كما يورد الحسن بن الوزان
أن يكون بنو مرين هم من بناها، علما أنها دمرت من بعد وخربت. كما يضيف أنه
تم إعادة بنائها من طرف قائد غرناطي من مملكة فاس، عندما احتل الأسبان
مليلية. ويعتقد حسن الفيكيكي أن المرينيين وجدوا قلعة تازوضا على رسمها
وحالتها القديمة، وكان عليهم فقط أن يبادروا إلى تجديد المباني البارزة في
الداخل وتشييد الأسوار الخارجية. ويحيل الكثير ممن اهتموا بتاريخ مدينة
غساسة السبب في خرابها إلى التهديد المسيحي الإسباني الذي كان مسلطا
عليها. على بعد حوالي 20 كم شمال غرب مدينة الناظور تقع البقايا المكتشفة
من مدينة غساسة، هذه البقايا المتمثلة في جزء من أحد أسوارها مبني
بالطابية يبلغ طوله حوالي 200 متر وعرضه يتراوح بين 60م و140م، وعلى الرغم
من الأبحاث الأركيولوجية التي أنجزها مؤرخ مليلية فرنانديث دي كاسترو خلال
أربعينيات القرن الماضي فمعالمها العامة ماتزال مطموسة مطمورة، وحسب
الشريف الإدريسي فهي تبعد عن “مليلية باثني عشر ميلا، وعن مدينة المزمة
الأثرية بعشرين ميلا” وسجل البكري أن “غساسة أهل جبل هرك”، وقد نزل بميناء
غساسة آخر ملوك بني نصر، بعد مغادرته غرناطة إثر سقوطها سنة 1492. عن
مدينة غساسة يسجل الحسن بن الوزان في وصف إفريقيا: “تبعد هذه المدينة عن
السابقة ـ ويعني بها مدينة مليلية ـ بنحو عشرين ميلا، وقد كانت محصنة جدا
و محاطة بأسوار متينة، لها ميناء حسن. كان من عادة سفن البندقية أن تقصده
قديما وتبرم صفقات تجارية هامة مع أهل فاس تدر عليهم أرباحا وافرة. لكن
سوء الطالع أراد أن يكون لملك فاس في بداية حكمه مشاكل خطيرة مع احد أبناء
عمه، فاضطر إلى أن يمكث في مواجهته مع جميع جنده. وابتكر فرناندو ملك
إسبانيا مخططا لاحتلال غساسة فأخذها بدون عناء. لأن ملك فاس لم يتمكن من
إنجاد المدينة، وفر أهلها عنها قبل سقوطها.” أما مارمول كربخال فهو كعادته
يفصل أكثر من ابن الوزان في الحديث حين يتعلق الأمر بمدينة مغربية كان لها
مع الاحتلال الإيبيري أمر وشأن يمرر من خلاله بعضا من نظرته الاستعمارية
ونبراته التي جانبت في الكثيرمن مواقع كتابه إفريقيا الموضوعية المطلوبة
والمنتظرة من كل مدون للتاريخ. عن مدينة غساسة سجل مرمول: “تقع هذه
المدينة عل بعد سبعة فراسخ من المدينة السابقة ـ مليلية ـ بحرا، وعلى بعد
فرسخين فقط برا. أسسها أهل البلاد غلى رأس يحمل اسمها، ويجعلها بطليموس في
الدرجة الثالثة عشرة والدقيقة الثلاثين طولا، وفي الدرجة الرابعة
والثلاثين والدقيقة السادسة والخمسين عرضا، وتسمى ميتا كونيت. تقع مدينة
غساسة بعيدة عن البحر بأقل من فرسخ قليلا، وعلى رمية حجر من نهر ملكان
الذي يسميه بطليموس ملكات، كانت سفن البندقية تأتي إلى هذا الميناء، وهو
مناسب إلى حد ما، وينشط فيه التجار كثيرا، بحيث إن ملك فاس كان يستفيد
كثيرا من دخل الجمرك، وحيث إن هذا الملك كان منهمكا في حرب ضد أحد أقاربه،
فإن الملكين الكاثوليكيين أرسلا إلى غساسة دوق المدينة، فتمكن منها بعد أن
احتل مليلية، لأن السكان حين يئسوا من النجدة لم يجرؤوا على انتظار مجيئه،
فالتجؤوا إلى فاس أو غيرها من الأماكن. وحصن الدوق القصر وترك فيه حامية،
وبقي في كفالته إلى سنة ألف وخمسمائة وأربع وثلاثين، حيث إن الحاكم الذي
عين هناك ـ وهو لويس دي تشايس ـ مع أربعين جنديا قد أساء إلى ثلاثة
مسيحيين، فتفاوضوا مع عامل تزوطة، وبعد أن اغتالوا الحاكم في سريره ليلا،
سلموا القلعة إلى المغاربة، دون أن يطلع الجنود الآخرون على شيء من ذلك.
فقتلوا كلهم أو أسروا، باستثناء واحد منهم ارتمى إلى أسفل السور وذهب
ليخبر أصحاب مليلية عوما في البحر. بادر حاكم مليلية لإرسال سفينة شراعية
إليها و أخريين من نوع الكرافيل بعد أن شحنها كلها بالجنود. وعندما شاهدهم
المغاربة قادمين اخذوا ملابس وأسلحة الذين قتلوا، وجاؤوا إليهم والبنادق
القاذفة على أكتافهم، فظنوا أنهم من جنودنا وأن المدينة لم تؤخذ، فنزلوا
إلى الأرض وقتلوا أو أسروا عن آخرهم…. خربت الآن هذه المدينة ودمرت ولم
يبق إلا القصر، وهو حصين مشيد على صخرة يمكن نسفها باللغم، وعندما يأتي
مغاربة المنطقة ليحرثوا الأراضي المجاورة، يجعلون فيها حرسا، ليكتشفوا إن
كان لا يوجد هناك كمين نصبه المسيحيون، لأنهم غالبا ما يأتون من مليلية
وشاطئ إسبانيا ليأخذوا هناك بعض الأسرى. ولما سألت لماذا لم يعد ملوك فاس
بناء هذه المدينة، قيل لي بأن السكان لن يكونوا في أمان بسبب جوار مليلية،
وإنهم إذا أقاموا بها حامية فإن المصاريف تكون أكثر من المداخيل”•
غساسة التي كانت، ثم اندثرت في ظروف شبه غامضة، لم تنل من الكتابات
التاريخية نصيبا يزيح اللثام عن ماضيها، وعن أدوارها في تاريخ المنطقة
المحيطة بمدينة الناضور، خاصة إذا علمنا أنها في فترة معينة من أزمنة
بلادنا كانت موازية لمليلية وتازة والمزمة، وذلك من حيث حجم الضرائب التي
كانت تؤديها والمتمثلة في ما أفاد به العمري في كتابه المسالك ثلاثين ألف
دينار، وهو نفس القدر الذي كانت تؤديه المدن الثلاث المذكورة آنفا. وفي
ذلك طبعا تقدير لمكانتها الاقتصادية إبان تلك الفترة. كما فيه ما يفسر
الأطماع الاستعمارية التي ظلت مسلطة عليها، إلى أن تمكن الإسبان من
احتلالها سنة 1506، هذا الاحتلال الذي سينتهي بفضل مقاومة المنطقة
المتمركزة بتازوضا سنة 1533• وتازوضا هاته قلعة بقمة جبل كوروكو في إقليم
الناظور في الريف على ارتفاع 600م، ومن المحتمل كما يورد الحسن بن الوزان
أن يكون بنو مرين هم من بناها، علما أنها دمرت من بعد وخربت. كما يضيف أنه
تم إعادة بنائها من طرف قائد غرناطي من مملكة فاس، عندما احتل الأسبان
مليلية. ويعتقد حسن الفيكيكي أن المرينيين وجدوا قلعة تازوضا على رسمها
وحالتها القديمة، وكان عليهم فقط أن يبادروا إلى تجديد المباني البارزة في
الداخل وتشييد الأسوار الخارجية. ويحيل الكثير ممن اهتموا بتاريخ مدينة
غساسة السبب في خرابها إلى التهديد المسيحي الإسباني الذي كان مسلطا
عليها. على بعد حوالي 20 كم شمال غرب مدينة الناظور تقع البقايا المكتشفة
من مدينة غساسة، هذه البقايا المتمثلة في جزء من أحد أسوارها مبني
بالطابية يبلغ طوله حوالي 200 متر وعرضه يتراوح بين 60م و140م، وعلى الرغم
من الأبحاث الأركيولوجية التي أنجزها مؤرخ مليلية فرنانديث دي كاسترو خلال
أربعينيات القرن الماضي فمعالمها العامة ماتزال مطموسة مطمورة، وحسب
الشريف الإدريسي فهي تبعد عن “مليلية باثني عشر ميلا، وعن مدينة المزمة
الأثرية بعشرين ميلا” وسجل البكري أن “غساسة أهل جبل هرك”، وقد نزل بميناء
غساسة آخر ملوك بني نصر، بعد مغادرته غرناطة إثر سقوطها سنة 1492. عن
مدينة غساسة يسجل الحسن بن الوزان في وصف إفريقيا: “تبعد هذه المدينة عن
السابقة ـ ويعني بها مدينة مليلية ـ بنحو عشرين ميلا، وقد كانت محصنة جدا
و محاطة بأسوار متينة، لها ميناء حسن. كان من عادة سفن البندقية أن تقصده
قديما وتبرم صفقات تجارية هامة مع أهل فاس تدر عليهم أرباحا وافرة. لكن
سوء الطالع أراد أن يكون لملك فاس في بداية حكمه مشاكل خطيرة مع احد أبناء
عمه، فاضطر إلى أن يمكث في مواجهته مع جميع جنده. وابتكر فرناندو ملك
إسبانيا مخططا لاحتلال غساسة فأخذها بدون عناء. لأن ملك فاس لم يتمكن من
إنجاد المدينة، وفر أهلها عنها قبل سقوطها.” أما مارمول كربخال فهو كعادته
يفصل أكثر من ابن الوزان في الحديث حين يتعلق الأمر بمدينة مغربية كان لها
مع الاحتلال الإيبيري أمر وشأن يمرر من خلاله بعضا من نظرته الاستعمارية
ونبراته التي جانبت في الكثيرمن مواقع كتابه إفريقيا الموضوعية المطلوبة
والمنتظرة من كل مدون للتاريخ. عن مدينة غساسة سجل مرمول: “تقع هذه
المدينة عل بعد سبعة فراسخ من المدينة السابقة ـ مليلية ـ بحرا، وعلى بعد
فرسخين فقط برا. أسسها أهل البلاد غلى رأس يحمل اسمها، ويجعلها بطليموس في
الدرجة الثالثة عشرة والدقيقة الثلاثين طولا، وفي الدرجة الرابعة
والثلاثين والدقيقة السادسة والخمسين عرضا، وتسمى ميتا كونيت. تقع مدينة
غساسة بعيدة عن البحر بأقل من فرسخ قليلا، وعلى رمية حجر من نهر ملكان
الذي يسميه بطليموس ملكات، كانت سفن البندقية تأتي إلى هذا الميناء، وهو
مناسب إلى حد ما، وينشط فيه التجار كثيرا، بحيث إن ملك فاس كان يستفيد
كثيرا من دخل الجمرك، وحيث إن هذا الملك كان منهمكا في حرب ضد أحد أقاربه،
فإن الملكين الكاثوليكيين أرسلا إلى غساسة دوق المدينة، فتمكن منها بعد أن
احتل مليلية، لأن السكان حين يئسوا من النجدة لم يجرؤوا على انتظار مجيئه،
فالتجؤوا إلى فاس أو غيرها من الأماكن. وحصن الدوق القصر وترك فيه حامية،
وبقي في كفالته إلى سنة ألف وخمسمائة وأربع وثلاثين، حيث إن الحاكم الذي
عين هناك ـ وهو لويس دي تشايس ـ مع أربعين جنديا قد أساء إلى ثلاثة
مسيحيين، فتفاوضوا مع عامل تزوطة، وبعد أن اغتالوا الحاكم في سريره ليلا،
سلموا القلعة إلى المغاربة، دون أن يطلع الجنود الآخرون على شيء من ذلك.
فقتلوا كلهم أو أسروا، باستثناء واحد منهم ارتمى إلى أسفل السور وذهب
ليخبر أصحاب مليلية عوما في البحر. بادر حاكم مليلية لإرسال سفينة شراعية
إليها و أخريين من نوع الكرافيل بعد أن شحنها كلها بالجنود. وعندما شاهدهم
المغاربة قادمين اخذوا ملابس وأسلحة الذين قتلوا، وجاؤوا إليهم والبنادق
القاذفة على أكتافهم، فظنوا أنهم من جنودنا وأن المدينة لم تؤخذ، فنزلوا
إلى الأرض وقتلوا أو أسروا عن آخرهم…. خربت الآن هذه المدينة ودمرت ولم
يبق إلا القصر، وهو حصين مشيد على صخرة يمكن نسفها باللغم، وعندما يأتي
مغاربة المنطقة ليحرثوا الأراضي المجاورة، يجعلون فيها حرسا، ليكتشفوا إن
كان لا يوجد هناك كمين نصبه المسيحيون، لأنهم غالبا ما يأتون من مليلية
وشاطئ إسبانيا ليأخذوا هناك بعض الأسرى. ولما سألت لماذا لم يعد ملوك فاس
بناء هذه المدينة، قيل لي بأن السكان لن يكونوا في أمان بسبب جوار مليلية،
وإنهم إذا أقاموا بها حامية فإن المصاريف تكون أكثر من المداخيل”•