التراث الثقافي, التراث المصنف لدى الإيسيسكو

الملحون .. فن غنائي عريق نظم قصائده الحرفيون والسلاطين

يعد فن الملحون من الفنون الشعبية المغربية التي لها مريدون خاصة في المدن العتيقة، وتنظم له مهرجانات وسهرات، ويجتمع عشاقه في البيوت لإحياء جلسات خاصة بهذا الفن، الذي أورثت العائلات الأصيلة عشقه وحبه لأبنائها كما أورثت الممتلكات.

ويطلق اسم الملحون على نوع من أنواع الزجل المنظوم باللهجة المغربية العامية “الدارجة”، واشتق لفظه من التلحين، بمعنى أن الأصل في هذا الشعر الملحون أن ينظم ليتغنى به قبل كل شيء.

وتورد مصاادر تاريخية، أن ظهور البواكير الأولى من الشعر الملحون بالمغرب إلى العهد الموحدي في القرن الـ12، وذلك من خلال بعض ما نظمه شعراء مغاربة كابن غرلة والسلطان عبد المؤمن الموحدي وأخته رميلة وابن خبازة وابن حسون وآخرين في العهد المريني.

وفي عصر الدولة السعدية في القرن الـ16، شهد الملحون تطورا على مستوى الأوزان والبحور والأغراض، ليبلغ نهضته في العصر العلوي، وخاصة في عهد السلطان محمد الثالث.

ويشكل الملحون، جزء لا يتجزأ من الهوية المغربية، وتاريخه حافل بأسماء شعراء وعازفين ومنشدين تركوا بصمتهم فيه وخلفوا إرثا فنيا غنيا للأجيال اللاحقة.

وشهدت قصيدة الملحون تطورا على مستوى بنائها، إذ تحولت من نظام “المبيت” أي الذي يقوم على البيت، إلى مكسور الجناح، وتتكون القصيدة فيه من عدة أقسام، ثم إلى المشتب والسوسي (وتتوزع فيه القصيدة إلى عدة أقسام وأشطر).

وقد اكتسب الملحون شعبيته من كون ناظمي شعره في الغالب من عامة الشعب وليس من المثقفين والمتعلمين فقط، غير أن اللغة التي كان يكتب بها ليست لغة عامية سطحية، بل لغة راقية تدخل فيها كلمات فصيحة تنطق بالأسلوب العامي.

ونظم في الملحون بسطاء الناس من أميين وحرفيين وصناع تقليديين وأيضا أمراء وفقهاء وسلاطين.

وبحكم التأثر بالأشعار التي كانت تصاحَب بالآلات الموسيقية، أخذ مضمون الملحون يتطور بدءا بشعر الطبيعة إلى الغزل وغيرها، وتعود أقدم النصوص المسجلة في شعر الطبيعة إلى القرن العاشر الهجري وجاء فيها:

“الورد والزهر وأغصانو وأشجار باسقا وأطيار

ايسبحوا لنعم الغني والما فقلب كل اغدير”

وتعددت بعد ذلك أغراض شعر الملحون، وقد حصرها أحد شيوخه أحمد سهوم في 10 هي “التوسلات الإلهية والمديح النبوي والوصايا الدينية والاجتماعية والربيعيات والعشاقي والترجمة والأعراض والهجاء والرثاء”.

وعلى مستوى الأداء، يقول الجيراري إن الملحون كان في البداية مجرد سرد في الزوايا والمساجد، ثم أخذ يعتمد على ضبط الإيقاع باليد أو ما يسمى “التوساد”، وبعد ذلك توسل بآلة “التعريجة” (آلة ضرب موسيقية مصنوعة من الطين والجلد)، ثم تأثر بـ”الآلة” فاتسع نطاق استعمال الآلات الموسيقية فيه.