تعتبر صناعة البروكار التقليدي من بين أعرق حرف الصناعة التقليدية بفاس، وقد انصهرت مع الثقافة والفن المغربيين بعد أن جلبها إلى المغرب صناع توافدوا عليه من الأندلس.
والبروكار هو نوع من الأثواب الفخمة يغلب عليها طابع القماش المقصب الذي تتداخل فيه خيوط الحرير أو الصابرة أوالقطن بخيوط الذهب والفضة، وكان يوظف لهذه الغاية ذهب من عيار 21 والفضة في القرن الثامن عشر، وظل الأمر إلى هذا الحال إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أما الآن فيستعمل ما يسمى بالخيط المذهب الذي يطلق عليه “الصقلي”، وقد كان الرجل الفاسي سباقا إلى ارتياد هذا النوع من القماش المستعمل في قفطان “الملس” عنوانا لفروسيته وانتمائه لأعيان القوم، وبعد انقراض هذا القفطان الخاص بالرجال أخذته المرأة واستعملته في الألبسة والتزيين الداخلي للمنازل والأعراس والحفلات.

وتعد حرفة البروكار من الحرف المميزة والمهددة بالانقراض بمدينة فاس، يزاولها معلم واحد على المستوى الوطني، وقد تفرعت عن هذه الحرفة عدة أنواع من البروكار الثمينة نذكر منها الخريب والبهجة كما تعددت استعمالات منتوجاته . الوسط الاجتماعي المغربي كالحزام والخدية والتلميطة وغيرها.
وتجدر الإشارة إلى أن حرفة البروكار لم يقع عليها أي تغيير في الآلات المستعملة فيها حيث لازالت تستعمل آلة مرمة درازة البروكار التي تسمى بـ “المرمة بالجباد” التي تختلف اختلافا شاسعا عن مرمة الدرازة التقليدية، لكن بالمقابل عرفت رسومات البروكار تطورات كبيرة تتماشى مع النظرة الحديثة والإبداع الفني والجمالي وكذا تطور العادات والثقافات والأذواق التي عرفها المغرب.

ورغم فخامة وارتفاع ثمن منتوج هذه الحرفة وطول مدة إنتاجها إلا أنها استطاعت أن تحافظ على مكانتها وجودتها ورواجها وسمعتها على مر العصور بالرغم أيضا مما تتطلبه من مهارات ذهنية عالية وجهد بدني كبير من الصانع التقليدي، نظرا لما تحتاجه من تركيز وصبر أثناء مزاولتها، حيث يستخدم الصانع يديه ورجليه وعقله في آن واحد لتشغيل مجموعة من الأدوات (مصنوعة في الغالب من الخشب ذات جودة عالية كالمرجة والناعورة وآلة التدوار والمكوك أو النزوقة وغيرها) والتجهيزات (كخيوط الشرايط أو السبيب) في دقة متناهية وفي تناسق تام.
ويتدخل في هذه الحرفة العديد من الصناع لكل صانع اسمه الخاص ووظيفة محددة في كل مرحلة من مراحل الانتاج كالتالي:
– الزواق أو رسام الديسان على الورق: يقوم بتخطيط شكل وألوان الزواق على الورق مستعملا الأقلام المناسبة، غير أن شكل وألوان الزواق يتم باختيار الصانع المعلم وبتنسيق مع الزبون.

– النيار: هو الصانع الذي يصنع الشفرة والمنسج ويعمل مستقلا خارج وحدة الإنتاج.
– المدور: تتحدد وظيفة هذا الصانع في تلفيف أو تكبيب جعب القصب بالخيوط قبل الشروع في عملية النسيج، وتسمى هذه العملية بـ”البوبيناج” أو “الكانتاج”.
– الجباد: وهو الصانع الذي يجر بيديه خيوط السبيب حزمة بعد حزمة حيث تشكل هذه الحزمات شكل الزواق المرغوب فيه.
– الصانع المعلم: هو الصانع الذي يواكب جميع مراحل الانتاج ويملي على كل المتدخلين في عملية النسج دورهم ويراقب أعمالهم، ويقوم بأهم الأدوار داخل وخارج المحرف. وهو الذي يلفف المطاوة بالخيوط الحريرية، يختار شكل ولون الرسومات بتنسيق نع الزبون والرسام، يحدد ثمن الصفقة، يقوم بشراء الخيوط وصفحها ويهيئ الفتاقي، وبصفة عامة يقوم بجميع الأعمال التي تدخل في عملية النسيج وخصوصا تحديد عدد النيرات وعدد الخيوط التي ستشكل الزواق، وذلك للحصول على المنتوج المطلوب.
ونظرا لترابط هذه الوظائف ببعضها البعض ينبغي أن تكون مراحل إنتاج البروكار متتالية حيث تنطلق باختيار شكل ولون الزواق بعد ذلك يتم إعداد الشفرة والمنسج من أجل صفح الخيوط على آلة الصفح ويتم الانتقال بعد ذلك لتلفيف المطاوة بالخيوط وتركيبها على المرمة، بالمقابل يتم تركيب كل من خيوط السبيب على آلة الوخم وألواح الفتاقي، قبل إعداد كل من المنسج أي ما يعرف بـ”عمارة المنسج” وخيوط التحكم في الزواق أو ما يعرف بـ “التستار”، بعد ذلك يتم تلفيف جعب القصب بالخيوط وملئ المكوك أو النزوقة بجعب القصب الملففة بالخيوط، وبذلك تكون جميع مراحل الانتاج مهيأة لبدأ انطلاق عملية النسج أو الحياكة.
وتبقى هذه الحرفة من بين أهم الحرف الأصيلة والمتجدرة التي تعد رمزا ومفخرةللصناعة التقليدية بمدينة فاس.