لقرون طويلة، ظلت “المحضرة”، مكونا رئيسا في الثقافة الشعبية المغربية، وذلك على اعتبار دورها في نشر تعليم القرآن الكريم وعلومه بين أجيال متعاقبة من المغاربة.
وتعتبر “المحضرة” أو “لمسيد”، التي باتت مصنفة من طرف منظمة العالم الاسلامي للتربية والعلوم والثقافة “إيسسكو”، مؤسسات تعليمية مفتوحة، ظلت تنشر المعارف العربية والإسلامية بمختلف فنونها، وكانت وعاءً حافظا لعلوم الشريعة، والثقافة العربية، ومرتعا للنهل من معين لا ينضب من شتي صنوف المعارف.
وللحضار أجواء وطقوس، ولكن له أيضا قاموسا ومفردات خاصة به؛ فالتلاميذ أو الطلبة الذين يسمون “المْحْضْرَة” يكتبون في اللوحة بقلم من القصب، والمادة المستخدمة في الكتابة هي الصمغ التي تنطق في الدارجة “الصمخ”، والصمخ يوضع داخل “الدواية” التي تكون مبطنة من الداخل بأطراف من الصوف، وتمسح اللوحة بحجر “الصلصال” قبل إعادة الكتابة فيها من جديد.
وبالنسبة للمحضرة ذوي الخطوط الرديئة أو من صغار السن الذين لم يضبطوا إيقاع الكتابة بعد، فالطالب أو الفقيه قد “يحنّش” لهم؛ بمعنى أنه يكتب لهم الآيات الكريمات بخط دقيق جدا يقتفون أثره ليعيدوا هم الكتابة من بعده بخط أكثر وضوحا.
ومن الطقوس الخاصة بالحضار أيضا ما يسمى بالأربعائية أو “لاربعية” كما تلفظ بالدارجة المغربية؛ وهي إكرامية قد تكون نقدية أو عينية من زيت وسكر وتمر وشريحة وسمن وعسل وخليع وغيرها من الهدايا التي اقتضى العرف أن تقدم إلى الفقيه المعلم بشكل أسبوعي، أما مقدارها فإن كل “محضري” يؤديه حسب طاقة وقدرة أسرته المادية، كما أن العادة والديدن دأب أن تقدم “لاربعية” يوم الأربعاء في الغالب الأعم من الحالات.
عند إتمام حفظ الجزء الخامس عشر من القرآن الكريم أي بعد حفظ سورة الكهف مباشرة، يخرج التلميذ “المحضري” ما يسمى ” بالسلكة الصغيرة” أو “نص سلكة”، وهذه العادة كانت منتشرة في البوادي والقرى بالخصوص، أما في المدن، فيخرج المحضري السلكة بعد إتمام حفظه للقرآن الكريم كاملا، ومن عادات البوادي أيضا ما يسمى “المشارطة”؛ أي اتفاق أهل القرية أو البادية على تعيين فلان أو علان كفقيه أو طالب يعلم أبناءهم ويحفّظهم القرآن الكريم داخل المسيد ويؤم الناس كإمام راتب في أوقات الصلوات الاعتيادية…
وأخيرا كان هنالك ما يسمى ب “التحريرة”؛ وهي تقتضي بأن يقوم الطالب أو الفقيه بتحرير المحاضرية وإعفائهم من الدرس سواء الصباحي أو المسائي الذي يكون بين صلاتي العصر والمغرب، وذلك لسبب من الأسباب كانشغاله في بعض الأغراض أو استقباله لضيف مهم يحبذ الانفراد به لكي يأخذ كامل وقته في الحديث بكل أريحية وانطلاق…