تعتبر صناعة الخزف أو ما يعرف بالفخار أول حرفة في تاريخ البشرية فهي خليط موفق رائع من الأصالة والمعاصرة ومن الحرف اليدوية التقليدية الشاقة باعتبارها من فنون النار لا يقبل عليها إلا من يحبها ويقتنع بها، فينعكس ذلك في أعماله، فالخزفي حرفي فنان يقضي ساعات طوال في تشكيل تحفته حتى يخرجها بإنتاج فني إبداعي مختلف عما تنتجه الآلة. فخلطة العجين الطيني تمتزج بعرق جبين الخزفي الذي يحمل إرثا تراثيا جماليا مستمد من فن صناعة الفخار الذي ارتبط بقاعدة اجتماعية جدا وعبر مختلف العصور، وقد لعبت الحضارة الإسلامية والصينية دورا رائدا في هذا المجال مما جعل الخزف كغيره من العلوم يؤثر ويتأثر بتفاعل الحضارات، كما ارتبط هذا الفن بمهن مختلفة خاصة في مجال الصيدلة وحفظ السوائل ومجال التزيين والمعمار.
وقد سافر هذا الفن من الشرق إلى الغرب عبر الأندلس ثم عاد ليستقر في بلاد المغرب. وتعتبر مدينة فاس من المدن المغربية التي ارتبط اسمها بصناعة الحزف المنات السنين، التي ازدهرت تجارتها في عهد الموحدين خلال القرن الثالث عشر، كما ذاع صيتها خلال القرن السادس عشر بجمال وتنوع المنتوجات الخزفية الملونة نظرا لجودة مادة الطين المستعملة والمتوفرة بمدينة فاس.

وفي نهاية القرن الحادي عشر تم إدخال لمسة إبداعية جديدة على صناعة الفخار حيث بدأ ظهور الصحون المزوقة بالأزرق الماخوذ من لون السماء وهذا ما أصلى على الألوان المستعملة حمل خصوصية المدينة (أزرق فاس) وجعلها ذا صيت عالمي، بالإضافة إلى ألوان أخرى ميزت المنتوجات الفخارية للمدينة عن باقي المناطق المغربية الأخرى ونخص بالذكر “البراية” أي الأزرق المأخوذ من حجر الكوبالط و”الجنجاري” الذي هو الأخضر و”الخابوري” وهو البرتقالي.
وباعتبار الفخار أو الخزف هو كل جسم يصنع من الطين سواء أضيفت له ماده أخرى أو لم تضف، فكل شكل خزفي يمر بمرحلة التشكيل، تم التخفيف وأخيرا التقوية أو التصلب بالحرارة وهذه العملية الأخيرة هي التي تحول الطين إلى خزف
فصناعة الخزف هي بمثابة رحلة شاقة بين الماء والطين والمهارة والابتكار، تبدأ بوضع الطين الفاسي أو ما يعرف بالصلصال الرمادي المتواجد بغيران الطين في الماء لمدة أقل من ساعتين حتى يبدأ الحرفي بتصفيته عدة مرات، ثم ينقله إلى حوض آخر لمدة أسبوعين حتى يجف من الماء وفي فصل الشتاء يبقى لمدة أربعين يوما لينتقل إلى مرحلة أخرى ألا وهي المزج بالأرجل من أجل إخراج الشوائب الصغيرة، بعد ذلك ينقل كقطع صغيرة معجونة باليد وتكون هي المرحلة الصغيرة لتصل إلى يد الصانع ويقوم الخزفي بمداعبة قطعة الملين بأنامله على آلة سريعة الدوران يتحكم بها برجليه، مستعينا بقطعة خشبية رفيعة من أجل تشكيل مجسم آنية او قطعة ديكور دون وضع قياسات محددة والاعتماد على الخبرة والممارسة في التحكم بالقطعة الفخارية كما يمكن له أن يستعين بقوالب ليشكل الطين اللين بطرق خاصة وبمقاسات مختلفة فيبتكر أواني منزلية أو أشياء لتزيين المنازل تلامس حدود الجمالية بالفن. بعد ذلك يعرض المجسمات الطينية لأشعة الشمس لمدة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام لتجف جيدا قبل أن تدخل إلى الأفران لتطهي، وفي المرحلة الموالية ينتقل الحرفي إلى استخدام ألوان طبيعية لتزيين القطع المفخورة بزخارف وتشكيلات بعضها أندلسي أو عربي أو مزيج بين الاثنين، هذه الألوان ستعطي للقطعة لونها النهائي بعد عملية التزجيج.

وقد ينتقل الصناع في حرفة الخزف إلى مرحلة أخرى إضافية وهي تطعيم بعض القطع الفخارية بعد تزييجها بالمعادن مثل النحاس أو الفضة والأحجار الكريمة مما يعطي الفخار بعدا فنيا وجماليا جديدا، وهذه التقنية اختلف عن تاريخها الباحثين، فالبعض منهم ارجعها إلى زمن قديم وآخرون اعتبروها جديدة على صناعة الفخار.
فالقطع الفخارية المطعمة بالأحجار والمعادن في مزيج بين العديد من الحرف والخبرات التقليدية يتناوب على إنجازها العديد من الحرفيين يضيف كل منهم جزءا من مهارته وخبرته في عملية الصقل الفني لينتج قطعة فنية فريدة.
وللفخار أسراره التي ارتبطت باسماء أمر محددة بمدينة فاس التي توارثت هذه الحرفة جيلا بعد جيل، وولجت منتوجاتهم أكبر وأفخم القصور والفنادق في أوروبا والولايات المتحدة، كما أصبح الفخار يحتل مكانة خاصة داخل المجتمع الفاسي الأمر الذي جعله يتحول من استعمال منزلي إلى عنصر أساسي في مجال الديكور.
وترتكز أغلب الوحدات الحرفية بمدينة فاس على مقربة من باب الفتوح وهو الحي الحرفي عين النقبي والتي انتقل جلها إلى حي بنجليق، وتعرض منتوجات هذه الحرفة للبيع بأسواق المدينة القديمة ونخص بالذكر سيدي فرج أو سوق الحنة.